Tag: Enkido

ملحمة جلجامش

No Comments

ملحمة جلجامش هي اسطورة او ملحمة شعرية تعتبر اقدم عمل أدبي عظيم وصلنا حتى الآن. دُونت احداث هذه الملحمة قبل 4000 عام. وبحسب عالم الاثار والمؤرخ العراقي الراحل طه باقر فانها تعتبر اوديسة العراق القديم.

تدور أحداث ملحمة جلجامش حول الملك جلجامش – ملك مدينة اوروك السومرية. هي المدينة السومرية الشهيرة التي حافظت على اسمها القديم في العهد العربي-الاسلامي باسم الوركاء أو الورقاء. وورد ذكرها في التوراة بصيغة ארך ارك وفي المصادر الاغريقية باسم Ορχόη اورخوي. تقع اثارها الآن على نحو 220 كلم جنوب شرقي بغداد، وعلى مسافة قصيرة الى شرق مجرى الفرات الحالي.

تخبرنا الملحمة ان جلجامش بنى اسوار مدينة اوروك العظيمة التي لم يسبق لها مثيل، ومعبد إينانا المقدس – وهو أشهر معابد الوركاء المقدسة، وقد خصص لعبادة الاله انو (اله السماء) والالهة عشتار أو إينانا السومرية (الهة الحب والحرب والخصب).

وتقول الملحمة: بعد أن خُلق جلجامش وأحسن الاله العظيم خلقه. حباه شمش -وهو اله الشمس والعدل والشرائع السماوية بالحسن، وخصّه أدد -وهو اله الرعود والعواصف والأمطار- بالبطولة. جعلت الالهة العظام صورة جلجامش تامة كاملة. كان طوله أحد عشر ذراعاً وعرض صدره تسعة اشبار. ثلثان منه اله، وثلثه الباقي بشر، وهيئة جسمه لا نظير لها، وفتك سلاحه لا يصده شيء.

وتستمر الحكاية: كان جاجامش ملكا جبارا ظالما، أجبر أبطال اوروك على الجلوس في بيوتهم متذمرين شاكين. كان هو راعي اوروك السور والحمى، لكنه كان ظالما، لم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار. فلم يترك جلجامش ابناً لأبيه ولا عذراء لحبيبها ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل. كانت الناس تشتكي ظلمه الى الآلهة واخيراً سمعت الآلهة شكواهم. فاستدعوا آنو، اله السماء رب اوروك، وقالوا له: ألم تخلق انت هذا الوحش الجبار؟ الذي لا يضاهي فتك اسلحته سلاح ولم يترك جلجامش ابناً لأبيه او عذراء لحبيبها، وما فتىء يضطهد الناس ليل نهار على أنه هو راعيهم ولكنه يضطهدهم.

ثم دعوا الألهة العظيمة ارورو وقالوا لها: يا ارورو انت التي خلقت هذا الرجل بأمر انليل، فاخلقي الآن غريماً له يضارعه في قوة القلب والعزم وليكونا في صراع مستديم لتنال اوروك السلام والراحة. ولما سمعت ارورو ذلك تصورت في لبها مثيلاً أو صورة لآنو وغسلت ارورو يديها وأخذت قبضة من طين ورمتها في البرية خلقت منها أنكيدو الصنديد القوي يكسو جسمه الشعر، وشعر رأسه كشعر المرأة، جدائل شعر رأسه كشعر الألهة نصابا – الهة الغلة والحبوب. لا يعرف الناس ولا البلاد ولباس جسمه مثل سموقان – اله الماشية. يأكل العشب مع الظباء ويستقي مع الحيوان من موارد الماء.

فحدث أن صياداً قانصاً التقى به عند مورد الماء. رآه الصياد فامتقع وجهه من الخوف فهرب، وبعد ذلك أبصره الصياد يوماً ثانياً وثالثاً عند سقي المياه. لقد دخل أنكيدو والفه من الحيوان الى مرابع صيده فخفق قلب الصياد وامتقع لونه ودخل الرعب قلبه وصار وجهه كمن أنهكه السفر البعيد. هرع الصياد الى أبيه ليقول له: يا أبي! رأيت رجلاً عجيباً انحدر من المرتفعات. أنه أقوى من في البلاد، وذو بأس شديد، وهو في شده بأسه مثل عزم آنو، انه يجوب السهوب والتلال ويأكل العشب ويرعى الكلأ مع حيوان البر ويستقي معها عند مورد الماء. لقد ذعرت لرؤيته فلم أقو على الاقتراب منه. لقد ملأ الأبار التي حفرتها، وقطع شباكي التي نصبت فجعل الحيوان وصيد البر تفلت من يدي وحرمني من صيد البر.

ففتح اباه فاه وقال له: يا بني، يعيش في اوروك جلجامش الملك الذي لا مثيل له في البأس والقوة، وهو في شدة بأسه مثل عزم آنو. فاذهب الى اوروك وانبىء جلجامش عن بأس هذا الرجل وليعطك بغيا تصحبها معك ودعها تغلبه وتروضه، فعندما يأتي ليسقي الحيوان من مورد الماء دعها تخلع ثيابها وتكشف عن مفاتن جسمها فاذا ما رآها فانه سينجذب اليها وعندئذ ستنكره حيواناته التي شبت معه في البرية، فذهب الصياد الى اوروك وحكى القصة لجلجامش. فوافق جلجامش وارسل معه البغي وذهبا الاثنان الى المكان الذي فيه الوحش انكيدو.

عندما وصلا الى المكان انتظرا يومين حتى أتى أنكيدو هو وحيواناته ليشربوا من البئر، فاذا بالبغي تراه، هذا الرجل الوحشي، أبصرت المارد الآتي من أعماق البراري. فهمس اليها الصياد: هيا يا بغي، اكشفي عن نهديك، اكشفي عن عورتك، لكي يتمتع بمفاتن جسمك. لا تحجمي، بل راوديه وابعثي فيه الهيام، فانه متى رآك وقع في حبائلك، اخلعي عنك ثيابك لينجذب اليك. علمي الوحش الغر فن المرأة. ستنكره الحيوانات التي تربى معها في البرية اذا انعطف اليك وتعلق بك. فاسفرت البغي عن صدرها وكشفت عن عورتها فرأى أنكيدو مفاتن جسمها ونضت ثيابها فوقع عليها وعلمت الوحش الغر فن المرأة، فانجذب اليها وتعلق بها ولبث انكيدو يتصل بالبغي ستة ايام وسبع ليال وبعد أن قضى وطره منها وجه وجهه الى إلفه من حيوان البر فما أن رأت الظباء أنكيدو حتى ولت عنه هاربة، همّ أنكيدو ان يلحق بها ولكن شلّ جسمه. لقد خذلته ركبتاه لما اراد اللحاق بحيواناته. أضحى انكيدو خائر القوى لا يستطيع أن يعدو كما كان يفعل من قبل ولكنه صار فطناً واسع الحس والفهم. رجع وجلس عند قدمي البغي. وصار يطيل النظر الى وجهها ولما كلمته اصاغ السمع اليها.

قالت البغي لأنكيدو : انت حكيم يا انكيدو ومثل اله. فلماذا تجول في البرية مع الحيوان؟ تعال آخذ بيدك الى اروك، الحمى والسور، الى البيت المشرق، مسكن آنو وعشتار، حيث يعيش جلجامش المكتمل الحول والقوة، المتسلط على الناس كالثور الوحشي. فرد عليها انكيدو بالقبول ولكنه قال سأتحداه واغلظ له في القول وسأصرخ في قلب اوروك انا الأقوى! أجل انا الذي سيبدل المصائر، انا الذي ولد في البرية، انا الأشد والأقوى! فردت عليه البغي: هلم نذهب كي يرى وجهك. وقالت له ان جلجامش اشد بأسا منك وهو لا يستقر في الليل ولا في النهار فيا انكيدو خل عنك غلواءك وتبجحك وقالت له قبل ان نذهب من هنا سوف يراك جلجامش في الرؤى.

وفعلاً أستيقظ جلجامش في تلك اللحظة وأخذ يقص على أمه رؤياه قائلا لها: يا أمي لقد رأيت الليلة الماضية حلماً، رأيت أني أسير مختالاً فرحاً بين الأبطال، فظهرت كواكب السماء وقد سقط أحدها الي وكأنه شهاب السماء آنو  لقد أردت أن أرفعه ولكنه ثقل علي، وأردت أن أزحزحه فلم أستطع ان احركه. تجمع حوله أهل اوروك. ازدحم الناس حوله وتدافعوا عليه. واجتمع عليه اصحابي يقبلون قدميه. انحنيت عليه كما انحني على امرأة وساعدوني فرفعته وأتيت به عند قدميك فجعلته نظيراً لي.

فأجابته أمه البصيرة العارفة، وقالت له ننسون العارفة بكل شيء: ان رؤيتك كواكب السماء وقد سقط أحدها عليك وكأنه شهاب ولم تستطع ازاحته وانحنيت له كامرأة ومن ثم انا جعلته نظيراً لك، انه صاحب لك قوي يعين الصديق عند الضيق، انه أقوى من في البراري وعزمه مثل عزم آنو، وانما انك انحنيت عليه كما تنحني على امرأة فمعناه أنه سيلازمك ولن يتخلى عنك، وهذا هو تفسير رؤياك.

ثم رأى جلجامش حلماً ثانياً فقصه على أمه: يا أمي رأيت رؤيا ثانية في اوروك، رأيت فأسا مطروحة وهي ذات شكل عجيب وكان الناس متجمعين حولها ولما ابصرتها احببتها وانحنيت عليها كأنها امرأة ثم جلبتها لك فجعلتها انت نظيراً لي. فقالت له امه ننسون: وانما الفأس الذي رأيت فهو معناها رجل وأنه أقوى من في البرية وانه سيكون صديقك في الضيق. فقال لها جلجامش عسى أن يتحقق هذا الفأل العظيم.

في أثناء حديث جلجامش مع أمه، كانت البغي تحدث انكيدو وهو يستمع اليها وعلمته اكل طعام البشر وشرب شرابهم حتى بدأ يكتمل فيه الانسان. وطلبت منه أن يشرب من الشراب القوي، فشرب من الشراب المسكر سبعة اقداح فانطلقت روحه وانشرح صدره وطرب قلبه واضاء وجهه ومسح شعره بالزيت. أصبح انكيدو يساعد الناس على حمايتهم من الحيوانات المفترسة. وفي يوم ما، رأى رجلا يجري مسرعا فطلب من البغي أن تأتي بهذا الرجل فنادته، فسأله : إلام أنت مسرع يا رجل، وعلام تجشمت هذا السفر الشاق؟ ففتح الرجل فاه وقال لانكيدو: لقد اقتحم جلجامش بيوت الرجال وبيوت العرائس، لقد احل في المدينة العار والدنس، وفرض على المدينة المنكودة المنكرات وأعمال السخرة. يقوم جلجامش باختيار العروس التي يشتهيها، ويختارهن قبل ازواجهن، لكي يكون هو العريس الاول قبل زواجها وهم يقولون: لقد ارادت الالهة هذا الأمر وقدروه له منذ ان قطع حبل سرته. وما ان فاه الرجل بهذا القول حتى امتقع وجه انكيدو من الغضب.

سار انكيدو ومعه البغي حتى وصلا الى اوروك ذات الأسواق الواسعة وعندما رأه الناس تجمعوا حوله وقالوا: انه مثيل لجلجامش، انه أقصر قامة ولكنه أقوى عظماً. انه أقوى من في البلاد البرية وله بأس شديد، لقد رضع لبن حيوان البر في البرية (بز ايباري) ولما هيء الفراش لـ اشخارا واقترب جلجامش ليتصل بالالهة وقف انكيدو في الدرب وسد الطريق بوجهه (اشخارا هي الهة من آلهات الحب وشكل من أشكال عشتار الشهيرة ويتعلق المشهد بالشعائر الدينية الخاصة بالزواج المقدس الذي كان يقام لاتصال الملك بالالهة. وكانت كاهنة خاصة – او عاهرة مقدسة – تقوم بدور الالهة للاتصال الجنسي بالملك حيث يضمن بذلك احلال الخصب والرخاء في البلاد. ولما كان جلجامش يتهيأ للقيام بهذه الشعائر الدينية صادف مجيء انكيدو فتصدى له ومنعه من دخول المعبد. وفي النص ما يشير الى أن أنكيدو أراد أن يقوم بذلك بنفسه)، رأى جلجامش انكيدو الهائج الذي ولد في البادية بشعر رأسه الطويل فانقض عليه وهاجمه.

سد انكيدو باب العرائس بقدميه ومنع جلجامش من الدخول الى الفراش وامسك احدهما بالاخر وتصارعا وخارا خوار ثورين وحشيين وحطما عمود الباب فارتج الجدار. وظلا يتصارعا. ولما ثني جلجامش ركبته وقدمه ثابتة في الأرض (ليرفع انكيدو) هدأت سورة غضبه وأدرك انه أقوى من أنكيدو واستدار ليمضي وهنا كلمه انكيدو قائلا: انك الرجل الأوحد، انت الذي حملتك وولدتك امك ننسون، البقرة الوحشية، ورفع انليل رأسك عاليا على الناس وقدر اليك الملوكية على البشر. أعجب جلجامش بكلام أنكيدو فاحتضنه واصبحا صديقان.

بعد فترة من الزمن يقرر الصديقان السفر الى غابة الأرز البعيدة. وفي الطريق يشعر انكيدو بالخوف فيسأل صديقه لماذا عزم على هذا العمل الشاق. فيقول له جلجامش: يسكن في الغابة خمبابا الرهيب فلنقتله كلانا ونزيل الشر من الأرض. ولكن انكيدو قال له يا صديقي انا اعلم عندما كنت في البرية مع الحيوان ان الغابة تمتد مسافة عشرة الاف ساعة مضاعفة في كل جهة فمن ذا الذي يجرؤ على الايغال في داخلها؟ وخمبابا زئيره مثل عباب الطوفان، تنبعث من فمه النار، ونفسه الموت الزؤام. فلماذا تريد القيام بقتله وهو لا يصد له هجوم؟ عند ذلك قال له جلجامش انه عزم على اقتحام الغابة وقتل خمبابا بفأس وان انكيدو يمكنه ان يبقى هنا بانتظاره ويذهب هو وحده للقتال. عندما وصل الاثنان الى بوابة الغابة بعد مسير شهر ونصف الشهر وجدا مدخلاً عجيبا أدهشهما وأشجار الأرز في المدخل كان منظرها عجيبا فكان علوها اثنين وسبعين ذراعاً وعرض المدخل اربعة وعشرين ذراعاً ووجدا عنده عفريتاً عينه خمبابا ليحرسه، ولكنهم هجموا عليه وقتلوه. وعندما باشر انكيدو بالدخول شلت اطرافه بسبب المدخل المسحور وحذر صديقه من الدخول. ولكن جلجامش قال له أبعد كل هذا التعب نعود ادراجنا، كلا يجب ان نتقدم واذا ما سقطنا في القتال فسنخلف لنا اسماً خالداً.

نجح الاثنان في التقدم والدخول الى الغابة وانبهرا من جمال غابة الارز الخضراء وناما بالداخل وجاءت جلجامش رؤيا جديدة في منامه حول جبل يسقط وهم عليه ويصبحون كالذباب وحلم ان ضوء انتشله من تحت الجبل وسقاه ماء. ففسر له انكيدو الحلم بأنه الذي هاجمه هو خمبابا وأنهم سوف يتغلبون عليه. ودنت ساعة اللقاء الحاسمة عندما بدأ جلجامش بقطع أشجار الأرز بفأسه، اذ سمع خمبابا الضجيج. فغضب وهاج وزمجر صائحاً: من القادم المتطفل الذي كدر صفو الغابة واشجارها النامية في جبلي ومن الذي قطعها؟ وتهيأ خمبابا للهجوم على الصديقان اللذين استحوذ عليهما الرعب وندما على ركوب هذه المغامرة ودخول الغابة. وأخذا يتضرعان للاله شمش لكي يعينهما على الخلاص من الهلاك فاستجاب لهما حيث هاجت الرياح العاتية وساقها آنو على خمبابا فمسكته وشلت حركته. فاستسلم وأخذ يتضرع لهما أن يبقيا على حياته ويأسراه فيكون خادما لجلجامش ويجعل الغابة المسحورة ملك يده، فرق قلب جلجامش حتى كاد أن يبقي على حياته. ولكن صديقه انكيدو حثه على قتله، فقتلاه وقطعا رأسه، وعادا الى اوروك.

في اوروك غسل جلجامش شعره الاشعث الطويل وصقل سلاحه وارسل جدائل شعره على كتفيه ولبس حللا نظيفة ولما لبس تاجه، رفعت الالهة عشتار الجليلة عينيها الى جمال جلجامش ونادته: تعال يا جلجامش وكن عريسي حبيبي وهبني ثمرتك اتمتع بها، كن زوجي واكون زوجتك، سأعد لك مركبة من حجر اللازورد والذهب، وعجلاتها من الذهب وقرونها من البرونز، وستربط لجرها شياطين الصاعقة بدلا من البغال الضخمة. سينحني لك الملوك والحكام والامراء، وسيقدمون لك الاتاوة من نتاج الجبل والسهل. فأجابها جلجامش: ولكن ماذا يجب علي أن أعطيك؟ أي طعام وأي شراب وأي كساء يليق بالوهيتك؟ أي خير سأناله لو تزوجتك؟ انت! ما انت الا الموقد الذي تخمد ناره في البرد. انت كالباب الناقص الذي لا يصد عاصفة او ريح. انت قصر يتحطم في داخله الأبطال. أنت فيل يتمزق رحله. وأنت نعل يقرص قدم منتعله. أي من عشاقك بقيت على حبه ابدا؟ وأي من رعاتك رضيت عنه دائما؟ أحببت للأسد ولكنك حفرت للايقاع به. وأحببت الحصان ولكنك سلطت عليه السوط والمهماز والسير. وأحببت راعي القطيع الذي لم ينقطع يقدم لك اكداس الخبز ولكنك ضربته بعصاك ومسخته ذئباً. وقال لها اذا ما احببتني فستجعلين مصيري مثل هولاء.

ولما سمعت عشتار هذا الكلام استشاطت غضبا وعرجت الى السماء ومثلت في حضرة ابيها آنو وامها آنتم، فجرت دموعها وقالت: يا أبي ان جلجامش قد عزرني واهانني. لقد سبني وعيرني بهناتي وشروري. وطلبت من اباها أن يخلق لها ثورا سماويا ليهلك جلجامش. وهددت بأنه اذا لم يخلق لها هذا الثور فانها ستحطم باب العالم السفلي وتفتحه على مصراعيه لكي يخرج الموتى ويأكلون مثل الأحياء فيكون عددهم أكثر من الأحياء. فوافق اباها على ذلك. وعندما انزلت عشتار الثور السماوي الى اوروك، نزل وهو ينشر الرعب والفزع، وقضى في اول خوار له على مئة رجل ومن ثم مئتين وثلثمائة وفي خواره الثاني قتل نفس العدد، اما في خواره الثالث فهجم على انكيدو، ولكن انكيدو صد هجومه ومسكه من قرنيه وكان صعباً عليه ان يقاوم الثور فاستعان بصديقه جلجامش، حيث قسما بينهما العمل في امساك الثور وجلجامش اكمل المهمة بطعن الثور وقتله. وبعد ذلك اقتلعا قلبه وقدماه الى الاله شمش وسجدا له. ثم جلسا واستراحا.

بعد ذلك الفرح حلم انكيدو بأن الالهة أقامت مجلس الشورى وقرروا أن ينتقموا منهما لقتلهما الثور السماوي وخمبابا. وبسبب كون جلجامش نصف اله، لذلك الذي سيموت هو انكيدو لأنه بشر. مرض انكيدو مرضا شديدا بسبب لعنة الآلهة وانتهى به الأمر الى الموت. وحزن عليه جلجامش حزنا كبيرا.

وبعد فترة أصبح جلجامش يفكر هو ايضاً بالموت والحياة وأنه ليس خالداً. فقرر أن يبحث عن سر الحياة الخالدة. بعد رحلة طويلة وشاقة التقى بها بـ أور شنابي وهو أحد تابعي اوتو نبشتم الذي يملك سر الخلود. عند ذلك قام جلجامش بسؤال اور شنابي: كيف لي الوصول ل اوتو نبشتم؟ دلني عليه؟ انني مستعد لعبور البحار ايضا لكي القاه. فقال له اور شنابي: يا جلجامش، يداك هما التي منعتاك من عبور البحر لأنك حطمت صور الحجر واتلفتها فلا يمكننا العبور. الآن خذ الفأس بيدك يا جلجامش وانحدر الى الغابة واقتطع منها مائة وعشرين مرديا طول كل منها ستون ذراعا وأطلها بالقير وغلف كعوبها بالمعدن وجيء بها الي لنصنع منها سفينة.

ركب اور شنابي وجلجامش السفينة وعبرا البحر حتى وصلا الى مياه الموت. وكان جلجامش يستعمل المرادي للابحار وكان يرمي كل واحد يستعمله مرة واحدة لأن اور شنابي حذره من لمس يده لمياه الموت. بعد مدة قابلوا سفينة اخرى يتضح انه اوتو نبشتم. فيسأل اوتو نبشتم جلجامش لماذا وجهه بائس ويملأه التعب؟ فأجابه جلجامش: كيف لا تذبل وجنتاي ويمتقع وجهي ويغمر الحزن قلبي ويصير وجهي اشعث وصديقي واخي الأصغر انكيدو قد أدركه مصير البشرية – اي الموت – فبكيته ستة ايام وسبع ليال ولم اسلمه الى القبر حتى ظهر الدود على وجهه. ومن ثم قال له: السبب الذي دعاني لعبور كل هذه الجبال والمسافات والبحار وقتال كل الحيوانات واكل لحومها ولبس فرائها هو لأنني أردت مقابلتك لكي أعرف سر الخلود. فأجابه اوتو نبشتم: ان الموت قاس لا يرحم، متى بنينا بيتا يقوم الى الأبد؟ متى ختمنا عقدا يدوم الى الأبد؟ وهل يقتسم الاخوة ميراثهم ليبقى الى الأبد؟ ولم يكن دوام وخلود منذ القدم؟ ويا ما أعظم الشبه بين النائم والميت! الا تبدو عليهما هيئة الموت؟ ان الانوناكي الالهة العظام تجتمع مسبقا ومعهم مامتم صانعة الأقدار تقدر معهم المصائر وقد قسموا الحياة والموت، ولكن الموت لم يكشفوا عن يومه. فقال له جلجامش: يا اوتو بنشتم اني انظر اليك الآن ولكنك لا تبدو مختلفاً عني، خاملا مضطجعا على ظهرك، ولكن قل لي كيف دخلت الى مجمع الالهة ونلت الحياة الخالدة؟ فأجابه اوتو نبشتم: يا جلجامش سأفتح لك عن سر محجوب، سأطلعك على سر من أسرار الالهة. شروباك (وتعرف اطلالها الآن باسم فارة  بالقرب من الوركاء على نحو 18 ميلا الى الجهة الشمالية الغربية، وكانت من المدن السومرية الشهيرة) المدينة التي تعرفها انت والراكبة على شاطئ الفرات، فان تلك المدينة قد تقادم العهد عليها فرأى الالهة العظام ان يحدثوا فيها طوفاناً، وقد زينت لهم قلوبهم ذلك.

وكان حاضراً معهم احد الالهة – إيا – الذي قرر النزول الى المدينة واخبار اوتو نبشتم وقال له: يا صاحب الكوخ، إهدم البيت وابني لك فلكاً – أي سفينة. تخلّ عن مالك وانج بنفسك. واحمل في السفينة بذرة كل حياة والسفينة التي سوف تبنيها عليك ان تضبط مقاسها ليكن عرضها مثل طولها واختمها جاعلاً اياها مثل مياه العمق. وقال له عندما يأتي اليوم الموعود في المساء وتبدأ الأمطار بالهطول ادخل الى سفينتك واغلق عليك الباب. وعندما جاء ذلك المساء وهبت عاصفة قوية وامطار وظلت زوابع الريح الجنوبية تهب وازدادت في شدتها حتى غمرت الجبال، وفتكت بالناس كأنها الحرب العوان، وصار الأخ لا يبصر اخاه، ولا البشر يميزون من السماء، وحتى الالهة ذعروا وخافوا من عباب الطوفان. وندبت عشتار وقالت يا حسرتاه لقد سلطت الدمار على خلقي، وانا التي ولدت خلقي هولاء. وبكى الهة الانوناكي وهم منكسو الرؤس. ولما حل اليوم السابع خفت وطأة زوابع الطوفان. بعد ذلك قررت الآلهة ان تمنح اوتو نبشتم وزوجته حياة خالدة ويعيشان بعيدا عن باقي البشر. (هذه القصة شبيهة جدا بقصة الطوفان في التوراة والقرآن).

بعد هذه القصة قال اوتو نبشتم لجلجامش: تعال امتحنك لكي تنال الحياة الخالدة. عليك أن تظل صاحيا لا تنام ستة ايام وسبع ليال. قاوم جلجامش النوم ستة أيام ولكنه استحوذ عليه في اليوم السابع وتسلط عليه كالضباب فاستسلم للنوم. استيقظ جلجامش وطلب السماح من اوتو نبشتم وان يعطيه فرصه اخرى. ولكن اوتو نبشتم قرر ان يجعله يعود من حيث اتى، حاولت زوجة اوتو نبشتم اقناعه بالعدول عن ذلك قائلة له ماذا عساك أن تمنحه وهو ذاهب الى مدينته بعد كل هذا التعب والعناء. واذا به يخاطب جلجامش قائلا له: يا جلجامش دعني اخبرك عن سر اخر. يوجد نبات مثل الشوك ينبت تحت المياه. انه كالورد شوكه يخز يديك كما يفعل الورد. فاذا ما حصلت يداك على هذا النبات وجدت الحياة الجديدة. ولما سمع جلجامش هذا القول فتح المجرى الذي أوصله الى المياه العميقة وربط برجليه احجارا ثقيلة. ونزل الى اعماق المياه حيث ابصر النبات، فاخذ النبات الذي وخز يديه وقطع الاحجار من رجليه. وعند خروجه قال لـ اوتو نبشتم عجيب هذا النبات سوف أخذه معي الى اوروك وأجعل الجميع يأكل منه وانا سأكله في نهاية حياتي حتى يعود شبابي، ولكن في طريق العودة توقف جلجامش بجانب بحيرة مائها بارد قرر الشرب منها. وفي اثناء ذلك مرت حية – او ثعبان – واكلت النبات. وبعد ذلك نزعت عنها جلدها بعد ان اكتسبت هذه القوة الخالدة. فجلس جلجامش عند ذلك وأخذ يبكي.

عاد جلجامش خائباً الى اوروك مع الملاح اور شنابي وهو يروي له خيبته حتى رأى اسوار المدينة العظيمة. عند ذلك فهم جلجامش ان خلوده لا يكون الا بهذه الأسوار وما يفعله مع رعيته في المدينة.