رسالة من التاجر الآشوري أشور-متاببيل الى زوجته كونانيا

No Comments

كولتبه، أو مدينة كانيش الاثرية، كانت خلال أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد، مدينة قوية وعالمية تقع في شمال كابادوكيا في وسط الأناضول. أصبحت هذه المدينة جزءا من شبكة من المستوطنات التجارية التي أقامها التجار الآشوريون (من آشور في شمال بلاد الرافدين) في جميع أنحاء المنطقة. كان هؤلاء التجار يتاجرون بكميات هائلة من القصدير والمنسوجات مقابل الذهب والفضة، بالإضافة إلى هيمنتهم على تجارة النحاس داخل الأناضول نفسها. وعلى الرغم من أن هؤلاء التجار الآشوريون اعتمدوا العديد من جوانب الحياة الأناضولية المحلية، الا أنهم جلبوا معهم أدوات الكتابة، من الواح طينية ومظاريف وأختام أسطوانية، من بلاد ما بين النهرين لاستخدامها في تسجيل المعاملات التجارية.

وباستخدام نسخة مبسطة من نظام الكتابة المسمارية المتطور، قام التجار بتتبع القروض وكذلك الصفقات التجارية والنزاعات، وأرسلوا رسائل إلى اسرهم وشركاء اعمالهم في آشور. وتوفر هذه النصوص المسمارية أيضا معلومات عن التاريخ السياسي الأكبر للإمبراطورية الأشورية ومدن الأناضول، فضلا عن تفاصيل من الحياة اليومية للآشوريين والأناضولين الذين لم يقتصر اختلاطهم على العمل جنبا إلى جنب، بل الى التزاوج والانجاب.

 تم الحفاظ على الآلاف من هذه النصوص المخزونة في المكتبات المنزلية لمدينة كانيش الاثرية عندما دمرها الحريق في عام 1836 قبل الميلاد، لتقدم لنا لمحة عن التعاملات التجارية والاجتماعية المعقدة والمتطورة التي وقعت في الشرق الأدنى خلال بداية الألفية الثانية قبل الميلاد.

كانت كانيش مستعمرة تجارية آشورية، أقيمت فوق وعلى أطراف هضبة يبلغ ارتفاعها عشرون مترا، وأظهرت الحفريات أن أقدم استيطان للمنطقة يعود إلى العصرالحجري النحاسي المتأخر.
كما كشفت الحفريات عن مدينة تعود إلى حوالي 4 آلاف عام، تضم بيوتا مخططاتها مربعة، بنيت من الحجر والطين، وتطل على أزقة مرصوفة بالحجارة، كما استخرجت الحفريات أجزاء من ثلاثة قصور وثلاثة معابد.
وعلى مدار عقود، استخرج علماء الآثار 23 ألف لوح طيني مكتوب باللغة الآشورية القديمة وبالكتابة المسمارية، تتنوع بين مراسلات بين ملك المدينة وملوك المناطق المجاورة، ولوحات تضم معلومات عن التجارة بين الآشوريين والأناضوليين، ومعلومات اجتماعية عن الزواج والطلاق والإرث وقرارات المحاكم.

تم العثور على هاذين اللوحين في نفس الظرف الطيني ويمثلان رسالة واحدة متكاملة. وتقرأ الرسالة من اليسار إلى اليمين ابتداءا من اللوح الطيني المستطيل، ولكن بعد أن استخدم الكاتب آشور- متاببيل كل المساحة، بما في ذلك الحواف الجانبية الأربعة للوح، قرر إضافة ملاحظة موجزة على قرص بيضاوي رقيق، جعله في وسط الظرف الطيني. كتب التاجر الآشوري اشور-متاببيل هذه الرسالة لتسوية على ما يبدو أنه نزاع عائلي في بيته في كانيش، يتعلق بملكية فتيات من الرقيق. يخاطب اشور-متاببيل في رسالته زوجته كونانيا. واسم كونانيا هو اسم من بلاد الأناضول، حيث يظهر أن اشور-متاببيل، مثل العديد من تجار جيله، تزوج بامرأة اناضولية بدلا من آشورية، أو في كثير من الأحيان بالإضافة إلى امرأته الأشورية، في آشور. وقد تم الحفاظ على تفاصيل حياة كونانيا الرائعة ومعاناتها مع زوجات ابنائها في هذا النص ونصوص عديدة اخرى، والتي بينت لنا تجارب مؤسفة في التعامل مع أهلها وأسرتها كأرملة شابة بعد الموت المبكر لزوجها أشور- متاببيل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*Try again