الجمعية السويسرية لحماية الإرث الحضاري والإنساني في بلاد الرافدين

“من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل، ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي”

جورج أورويل

العدد الأكبر من ملايين المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء الذين اقتحموا أوربا طوال العامين الماضيين جاؤا من بلاد الرافدين، ما يدعى اليوم سوريا والعراق. هناك بين نهري دجلة والفرات وعلى ضفافهما نشأت أولى الحضارات الإنسانية. على هذه الأرض، ولأول مرة في التاريخ، اكتشف الإنسان الكتابة ومارس الطب والفلك والرياضيات والهندسة وعرف الدين والآلهة ومارس العبادة وأقام المدن والحضارات ودمرها، ثم أعاد بنائها، مرة بعد أخرى بدون انقطاع منذ ثمانية آلاف عام.

في عام 2012 ابتدأت مجموعات ارهابية متمثلة بداعش وغيرها  بالسيطرة على مساحات واسعة من بلاد الرافدين، الارض التي تضم مواقع آثارية تفوق في أهميتها للجنس البشري، من الناحية التاريخية والدينية، أي تقدير أو تصور. وعلى الفور قامت هذه المجموعات بحملة من الإنتهاك والتدمير والطرد للأقليات العرقية والدينية التي تسكن هذه المناطق مما أحدث تغييرات ديموغرافية واسعة أدت الى هجرة الملايين من البشر الذين يرتبطون تاريخيا وعرقيا ودينيا وثقافيا بهذه الأرض منذ آلاف السنين.

ابتدأت هذه المجموعات بالتمدد والسيطرة على مدن كبرى مثل حلب في سوريا والموصل في العراق. وبهذا سيطرت على مواقع آثارية وتاريخية مهمة مثل تدمر وأفاميا والصالحية وماري في سوريا، ومواقع مثل الحضر ونينوى وآشور وخرساباد ونمرود في العراق، بالإضافة الى مئات المواقع الدينية المقدسة لدى المسلمين وغير المسلمين على جانبي الحدود التي تفصل بين البلدين. وعلى أثرها ابتدأت هذه المجموعات بتدمير المواقع التاريخية والآثارية والدينية المقدسة.

التاريخ هو الذاكرة الثقافية للمجتمع، وفقدانه يدمر إحساس المرء بهويته المشتركة وبالانتماء للمجتمع، وهذا صحيح سواء كان المرء فرد أو شعب

بأكمله.

الممتلكات الثقافية هي الشاهد الملموس للثقافة والتاريخ الذي يحتل مكانا خاصا لهوية الفرد والمجتمع ككل. وهو يمثل كذلك الصورة الذاتية ورمز التماسك الاجتماعي للمجتمع. ولهذا السبب فإن حمايته وصونه هو واجب مهم من واجبات المجتمع الدولي.

إن تدمير وانتهاك المواقع التاريخية والدينية المقدسة وقتل وطرد المسيحيين والأيزيديين والكورد والشبك والمندائيين وغيرهم من الأقليات، لايجرد العراق وسوريا من فسيفساء التنوع الثقافي والحضاري اللذان تمتلكهما فحسب، ولكنه يجرد البشر من هويتهم التاريخية والحضارية ويقطع أي صلة وارتباط لهم بهذه الأرض التي ولدوا وعاشوا عليها منذ  آلاف السنين.

2 Replies to “الجمعية السويسرية لحماية الإرث الحضاري والإنساني في بلاد الرافدين”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*Try again